Counter Academy

  • سماح حجاب
    Castle.Proxies.TestimonialProxy
  • سماح حجاب

    حين سمعتُ عن برنامج الأكاديمية البديلة للصحافة عام 2019
    • كنتُ قد تخرّجتُ حديثًا في تخصّص الصحافة وبدأت دراسة الماجستير في الدراسات الإسلامية. في ذلك الوقت، كنتُ أبحث عن مسارٍ مهنيّ يمكّنني من تلبية شغفي المتنامي بالعلوم الاجتماعية والإنسانية دون الانحصار في العمل النظري والبحثي فقط، خصوصًا في مجالات التاريخ وقضايا المرأة والثقافة والمجتمع.مثل كثيرين من أبناء جيلي، اختتمتُ ذلك العقد بشيء من النفور من الجدالات التي تدور في مكانها، ومن صورة المثقّف المنظّر الذي يكتفي بالنقد، وأردت أن امتهن عملًا يُسخّر هذه المعارف والتوجّهات لفهم الواقع على حقيقته، ويصبّ فيه مباشرةً.

      بدت رؤية الأكاديمية البديلة وكأنها صُمّمت خصيصًا لمن يشعر بهذا النداء: الصحافي كأنثروبولوجي، وحكّاء، ومحلّل، ومؤرّخ، وإنسان. هذا ما شدّني في الأصل إلى دراسة الصحافة، لكنني لم أجد له صدى حقيقيًا خلال سنوات دراستي الجامعية، التي ركّزت على الصحافة بوصفها أحد أذرع السلطة. جاءت الأكاديمية لتُشبع هذا الفضول وتُرمّم تلك التجربة، وتغنيها بأفكار وأسئلة وتفاصيل لم تكن في الحسبان.
      كثير من هذه التفاصيل والأسئلة نبت من تنوع وغنى خلفيات المشاركين والمشاركات والأساتذة، ما جعل التجربة الاجتماعية نفسها مكسبًا لا يُقدّر بثمن، خصوصًا لي كفلسطينية، حُرمت طويلًا من أن أكون جزءًا من فضاءٍ عربيٍّ ممتدّ يشبهني.

      من المساقات التي تركت أثرًا خاصًا لديّ مساق "تاريخ الصحافة العربية" ومساق "كما في الصحافة كما في الأنثروبولوجيا". في مساق التاريخ، وهو أول مساق في البرنامج، شعرتُ بامتدادٍ بين رغبتي اليوم في توثيق وفهم ما يجري حولي بعينٍ معرفيةٍ ومتعاطفة، وبين الدوافع الأولى التي حرّكت مثقفين عرب إلى امتهان الصحافة للمرة الأولى. كانوا مثلنا يسعون لتسخير معارف زمانهم لمخاطبة شعوبهم، وكان أرقهم يشبه أرقي وأرق المشاركين والقائمين على البرنامج، وإن اختلف الكثير او القليل بين اسئلة وهموم زمانهم وزماننا. منحني هذا الإدراك تواصل وانتماء اكثر وضوح تجاه البرنامج والقيمة المتجذّرة التي يمثّلها.

      أما في مساق الأنثروبولوجيا، فقد شعرتُ أنني بدأت أكتسب أدوات وعي جديدة، تنبع من داخلي هذه المرّة. بسعة وذكاء وحضورٍ قريب من القلب، كانت د. حنان قادرة على استخراج التفاصيل الصغيرة التي يرى بها كلّ منّا العالم من موقعه الخاص، واحتوائها في وعاء واحد يدور حول ما يمكن أن تقوله لنا التفاصيل الصغيرة التي نسمعها ونراها، وكم يمكن لها أن تُغني العمل الصحافي، بدءًا من زاوية التناول والاهتمام، وصولًا إلى الكتابة والصياغة.

      لا أنكر أنني بعد خمسة أعوام، ما زلتُ لا أعرف مكاني الدقيق من الصحافة كمهنة، لكنني أعلم أنني نضجت اكثر من خلال البرنامج واقتربت من صوتي الخاص، وأنني ما زلت أحمل الأدوات التي اكتسبتها وأُسخّرها في جوانب حياتي الشخصية والعملية الى اليوم. كما اكتسبتُ علاقات انسانية دافئة وغنية تزداد عمقًا رغم المسافات والوقت، وكأن البرنامج والبيئة الخصبة التي خلقها لم ينتهيا.

      مررنا معًا بعام كورونا، وهبّة أيار 2021 في فلسطين، وحرب الإبادة على غزّة، وسقوط نظام الأسد في سوريا، والمزيد ربما ينتظر. ورغم غزارة وهول ما نعيشه ونشهده متفرقين، بقيت أواصر التواصل متينة داخل عائلة الأكاديمية، تشتدّ في لحظات الخوف والألم الجماعي، كما في الفرح. مثل هذه الأواصر لا تنشأ إلا في فضاءٍ يدرك أن كثيرًا من المعرفة التي نحتاجها تسكن فينا بالفعل، وتتحول الى شيء اكثر قوة وقدرة من خلال تواصلنا الصادق مع بعضنا البعض. وقد منحت الأكاديمية البديلة من الأمان والسعة ما جعل ذلك ممكنًا.


prevbtn